الآلوسي
46
تفسير الآلوسي
هول ما رأى ، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير * ( صَعقاً ) * أي صاعقا وصائحا من الصعقة ، والمراد أنه سقط مغشياً عليه عند ابن عباس . والحسن رضي الله تعالى عنهم . وميتا عند قتادة . روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة ، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة ، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه ، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغضب في الخطاب * ( فَلَمَّا أَفَاقَ ) * بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره ، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب ، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشي عليه ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر * ( قَالَ ) * تعظيماً لأمر الله سبحانه * ( سُبْحَانَكَ ) * أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء ، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها ، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك * ( تُبْتُ إلَيْكَ ) * من الاقدام على السؤال بغير أذن ، وقيل : من رؤية وجودي والميل مع إرادتي * ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمنين ) * بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل ، وأراد كما قال الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره ، وقبل : أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك . واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على ساق ، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين . الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله : * ( رب أرني ) * ( الأعراف : 143 ) الخ ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالماً بالاستحالة فالعاقل فضلاً عن النبي مطلقاً فضلاً عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه ، وإن لم يكن عالماً بذلك لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفي ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة ، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز ، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن . واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه . الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤوسة مجازاً لما بينهما من التلازم ، والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم ، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين . الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول : إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فمعنى * ( أرني أنظر إليك ) * ( الأعراف : 143 ) أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة ، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون ، الثالث أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين * ( أرنا الله جهرة ) * ( النساء : 153 ) وإنما أضاف